محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
670
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
« فِيكُمْ » و « مِنْكُمْ » كلمتان مشتملتان على سرّ دفين وهو دعوة إبراهيم - عليه السلام - : رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ ليتبيّن أنّ الرسالة في ذرّيّته الطاهرة ومن ذرّيّته الزاكية لتحقّق البعضية في اللحمة كما تحقّقت الحنيفية في الملّة مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ . ثمّ الفصول التي تميّز بها عنهم : تلاوة آيات الكتاب ، وتزكية النفوس عن الضلالات والجهالات ، وتعليم الكتاب والحكمة ، وتعليم ما لم يكونوا يعلمون ؛ وهذه الخصال الأربع هي معجزاته وبيّناته . أمّا تلاوة الآيات التي تربي بلاغتها على كلّ بلاغة ، ويفوق نظمها وجزالتها وفصاحتها كلّ نظم وجزالة وفصاحة ، فأمر قد اعترف به العرب عن بكرة أبيهم ، واعتراف أفصحهم وأبلغهم أشد وأظهر . وأمّا تزكية النفوس عن الضلالات وكلّ ما هو كسر وإبطال لمذاهب المخالفين من المشركين وأهل الكتاب فهو من جنس التزكية ، وكلّ ما هو طهارة وغسل فهو أيضا تزكية ، وما لم يظهر اللوح من كلّ نفس لم يكن تصويره بصورة أخرى ، وكما أنّ المادّة إذا قبلت صورة لم تقبل صورة أخرى إلّا بعد زوال الأولى ، فكذلك النفس إذا قبلت صورة مذهب واعتقاد لم تقبل صورة الحقّ واليقين إلّا بعد زوال الأولى ، فلذلك قدّم التزكية على التعليم . وأمّا الخصلة الثالثة فهو تعليم الكتاب والحكمة ؛ وقد قيل فيهما إنّهما التنزيل والتأويل والظاهر والباطن ، وما هو من جنس الجسماني وما هو من جنس الروحاني ، وكذلك حكم المستأنف والمفروغ والمحكم والمتشابه وغير ذلك من معاني القرآن ؛ وقد ورد في الكتاب : الكتاب والحكمة في قرن والكتاب والميزان في قرن ، اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وقد قيل : الميزان قول لا إله إلّا اللّه ، وهو كالسلالة لشخص الديانة ( 272 ب ) وكلّ ما هو في الشخص بالفعل فهو في السلالة بالقوّة . فالحكمة قد تكون شرح ما في الكتاب من الأسرار وقد تكون مجموع ما في الكتاب من المعاني على سبيل الاختصار ، وكلا الوجهين صحيح . وأمّا الخصلة الرابعة فهو تعليم ما لم يكونوا يعلمون وذلك أنّ الإنسان خلق بأصل الفطرة لا يعلم شيئا : أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً فيحتاج إلى معلّم يعلّمه